في عالم يتسم بتسارع الابتكار، تبرز النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models) كأدوات تكنولوجية تكتسب أهمية متزايدة. لكن ما الذي يحدث عندما تتحول تلك النماذج إلى آلات شبه تقنية تعيد تشكيل فهمنا للمعرفة؟ في المقال الأخير الذي كتبه كواتروتشيوكي وزملاؤه، يتم تسليط الضوء على ظاهرة تُعرف بـ "الإبيستيميا"، حيث يمكن لمخرجات تلك النماذج الفصيحة أن تعطي انطباعًا بالمعرفة دون الحاجة إلى الإمساك بالأسس الثقافية والاجتماعية التي تقوم عليها.

يعتبر كواتروتشيوكي وزملاؤه أن "الإبيستيميا" تعبر عن تجربة تمتلك من خلالها المعرفة ولكن دون الانخراط في الممارسات التي تجعل الحكم مستنداً إلى الحقائق. ولكن المقال لا يكتفي بتشخيص الظاهرة، بل يتحدى إطارها التفسيري، حيث يقارن بين العارف البشري الذي يتمركز في مجتمعه وبين نموذج توليدي منعزل، مما يضع الشرعية المعرفية في قدرات الوكلاء المستقلين.

وبالاستناد إلى فلسفة كارلو سيني حول الممارسات والعلامات، يُقترح فهم نموذج اللغة الكبير (LLM) كآلة شبه تقنية، تقوم بأتمتة مرحلة من إنتاج المعاني المكتوبة من خلال توليد تكوينات لغوية معقولة من الأرشيف المتراكم لكتابات البشر. في هذا الإطار، تُعتبر "الإبيستيميا" نتيجة لإحدى الظواهر الأوسع التي تُعرف بـ "الشيزولوجيا المعرفية"، والتي تشكل الانقسام الاجتماعي والتقني بين العلامات كتعابير لغوية مُنجزة والعلامات كحلقات ضمن دوائر التفسير والاجتهاد والتحقق والمساءلة الاجتماعية.

هذه الافتراقات تعززها مجموعة من العوامل مثل "الإغلاق الايكوني"، حيث تُعرض الاستمرارية الوجيهة وكأنها نتيجة نهائية معرفية، بالإضافة إلى السلطة الخوارزمية والاعتراف الذاتي المعرفي الزائف.

لذلك، فإن الوحدات المعنية ليست فقط النموذج في حد ذاته، بل الممارسة الكاملة التي يتم من خلالها تحفيز وتفسير والتحقق من النقوش المنتجة، مما يُبرز الفارق بين الإنتاج اللغوي والفهم المسؤول، ويؤسس لبرنامج تصميم يركز على سلاسل النسب القابلة للتفتيش، والجدلية، والمسؤولية الموزعة، والوكالة المعرفية، وتقييم الممارسات المشتركة بين البشر والذكاء الاصطناعي.